اقلام حرة

كيف تحوّلت الشراكة بين موسكو وباكو إلى خصومة علنية؟

لم تكن السنوات التي تلت حرب قره باغ الأخيرة سوى مقدمة لانفجار في العلاقات بين روسيا وأذربيجان، اللتين حافظتا لعقود على توازن دقيق في إقليم لطالما شكّل مسرحاً للتجاذب الجيوسياسي. وبين عامي 2023 و2025، تحولت هذه الشراكة إلى حالة من العداء المعلن، على وقع تسارع المتغيرات الإقليمية والدولية، وتقدم الحضور التركي مقابل تراجع القبضة الروسية بفعل الغرق في المستنقع الأوكراني.



حياد محسوب… حتى سقوط قره باغ

منذ نيلها الاستقلال عن الاتحاد السوفييتي عام 1991، اتبعت باكو سياسة خارجية متزنة، توازن بين موسكو والغرب من دون انخراط في تحالفات أمنية تقودها روسيا، مثل “معاهدة الأمن الجماعي”، أو اقتصادية كـ”الاتحاد الأوراسي”. لكنها في المقابل، حرصت على عدم استفزاز الكرملين، مدركة حساسية التوازنات في جنوب القوقاز.

وكان الصراع على إقليم ناغورنو قره باغ بين أذربيجان وأرمينا الورقة الأهم التي ضمنت لروسيا موطئ قدم دائم في المنطقة، إذ لعبت دور الوسيط والضامن، وأرسلت قوات لحفظ السلام بعد حرب 2020. غير أن الهجوم الخاطف الذي نفذته أذربيجان على الإقليم في أيلول/سبتمبر 2023، أنهى عملياً الكيان الانفصالي الأرمني، وأسقط مبرر بقاء القوات الروسية، التي انسحبت بصمت وسط تراجع ملحوظ في النفوذ الروسي.



من نقد الأداء إلى اتهامات التآمر

في أعقاب العملية العسكرية الأذرية، بدأت وسائل الإعلام الأذرية، بمباركة رسمية، بمهاجمة أداء قوات حفظ السلام الروسية، متهمة إياها بالتغاضي، بل وحتى التواطؤ مع الجماعات الأرمنية الانفصالية. لكن القطيعة الفعلية انفجرت في كانون الأول/ديسمبر 2024، مع حادثة سقوط طائرة ركاب أذرية فوق الأجواء الروسية خلال توجهها إلى غروزني، في حادث خلُصت التحقيقات إلى أنه ناجم عن صاروخ روسي، وسط حديث عن تشويش إلكتروني.

موسكو رفضت الاعتراف بالمسؤولية، مكتفية برسالة تعزية مقتضبة من الرئيس فلاديمير بوتين، الأمر الذي عمّق الفجوة. وردّت باكو بإغلاق المركز الثقافي الروسي وتعليق أنشطة وكالة “سبوتنيك”، متهمة المؤسستين بأدوار استخباراتية. وفي مؤشر إضافي على التدهور، ألغى الرئيس إلهام علييف مشاركته المفترضة في العرض العسكري السنوي في موسكو، لتدخل العلاقة مرحلة من الجمود غير المسبوق.



تبادل الاتهامات… وتضييق أمني متبادل

مع مطلع 2025، انتقل التوتر إلى الساحة الأمنية، حيث أطلقت موسكو حملة سحب جنسيات وطردت مئات الأذريين من أراضيها، فيما بادرت باكو إلى اعتقال أشخاص يُعتقد بتعاونهم مع الاستخبارات الروسية.

ترافقت هذه الأحداث مع تقارير غربية عن دعم أذري عسكري غير معلن لأوكرانيا في حربها مع روسيا، مقابل حديث روسي عن مساع لتغيير الحكم في باكو. وعلى الرغم من حياد أذربيجان الرسمي حيال العقوبات المفروضة على موسكو بسبب حربها على أوكرانيا، فإنها زادت صادراتها من الطاقة إلى أوروبا، ووفّرت بدائل لخطوط الإمداد الروسية، ما اعتبره الكرملين طعنة إضافية في خاصرته الجنوبية.



أنقرة على الخط الأمامي

تظهر تركيا كلاعب لا غنى عنه في المنطقة. فتحالفها الوثيق مع باكو، تحت شعار “أمة واحدة، في دولتان”، تعزّز عسكرياً وسياسياً، إذ وفّرت أنقرة طائرات مسيّرة وخبرات عسكرية كانت حاسمة في المعركتين الأخيرتين ضد أرمينيا، لتتحول تركيا إلى الشريك الدفاعي الأول لأذربيجان، وتمنحها هامشاً واسعاً في مواجهة الضغوط الروسية.



زيارة الشرع… ورسائل مقلقة لموسكو وطهران

في يونيو 2025، زار الرئيس السوري أحمد الشرع العاصمة الأذرية، معلناً اتفاقاً لتوريد الغاز الأذري إلى سوريا عبر الأراضي التركية، في خطوة أربكت الحسابات الروسية والإيرانية. وذهبت بعض وسائل الإعلام الإيرانية إلى حد الحديث عن سيناريوهات لنقل مقاتلين من أصول آسيوية من سوريا إلى القوقاز، في إطار مشروع أميركي لتفكيك الوجود الأجنبي في الميدان السوري، وخلق حالة من الفوضى لروسيا وإيران.



اصطفافات جديدة… وتفكك نظام إقليمي

بات واضحاً أن ما يجري بين روسيا وأذربيجان يتجاوز الخلافات الظرفية. إنه تفكك تدريجي لمنظومة النفوذ الروسي في جنوب القوقاز، أمام صعود معسكر تركي أطلسي جديد يجد في باكو شريكاً جاهزاً لإعادة صياغة المعادلات.

في لحظة اشتعال إقليمي، من أوكرانيا إلى غزة، تبدو موسكو عاجزة عن الإمساك بكل الخيوط. أما باكو، فتراهن على اللحظة لتكريس موقع جديد، أكثر استقلالية، وأقرب إلى الغرب، ولو على حساب الاصطدام بجارتها الشمالية.

شفيق طاهر المدن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Powered by WooCommerce