
السويداء تشتعل… ولبنان يتنفس الدخان بقلم: وفاء فواز – رئيسة التحرير
ما يجري في السويداء ليس مجرد اشتباك محلي بين عشائر البدو وبعض الفصائل الدرزية، بل هو مرآة مشروخة لانهيار الدولة السورية
السويداء تشتعل… ولبنان يتنفس الدخان
بقلم: وفاء فواز – رئيسة التحرير
ما يجري في السويداء ليس مجرد اشتباك محلي بين عشائر البدو وبعض الفصائل الدرزية، بل هو مرآة مشروخة لانهيار الدولة السورية، وتحوّل مناطقها إلى مساحات رخوة تُدار بالسلاح والانتماء، لا بالدستور والسلطة. ومن المؤسف أن يغيب هذا العمق عن معظم التحليلات اللبنانية، التي تعاملت مع الحدث إما كموجة عابرة أو كتفصيل لا يهم سوى السوريين. لكن الحقيقة أقسى، والأخطر أن الدخان المتصاعد من السويداء بدأ يزكم أنفاس الداخل اللبناني، ليس من باب الجغرافيا فقط، بل من باب التشابه القاتل في البنية الطائفية والانقسام المؤسساتي والانكشاف الأمني.
ما حدث خلال ساعات قليلة كان كفيلاً بكسر الصورة النمطية عن السويداء كمنطقة هادئة. المداهمات، والخطف، والرد المسلح، والاتهامات المتبادلة بين فصائل عشائرية ودرزية، أدت إلى تفجر مشهد عبثي دموي لم تستطع دمشق احتواؤه رغم أن قواتها كانت متمركزة على بُعد كيلومترات فقط. هذا الفشل ليس أمنياً فقط، بل سياسي بامتياز، وهو ما فتح الباب أمام تدخلات إقليمية حساسة، أبرزها الضربات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت دبابات تابعة للجيش السوري. وهنا تُطرح أسئلة صادمة: متى أصبحت إسرائيل ضامناً لأمن طائفي داخل سوريا؟ وهل تتحول “الحماية الدرزية” إلى ذريعة لتكريس النفوذ الإسرائيلي في جنوب سوريا كما حصل في جنوب لبنان زمن الاحتلال؟
إسرائيل تعرف تماماً أن الدروز ليسوا حلفاءها في سوريا، لكنها تراهن على شرخ الداخل السوري لتكريس صورتها كحامية أقليات، تماماً كما حاولت الترويج لنفسها في الشريط الحدودي اللبناني سابقاً. وهي تراهن أيضاً على أن الانفجار في السويداء سيفتح الباب لصراع أهلي محدود في الزمان والمكان، لكنه كافٍ لإبعاد أي قوة موالية لإيران أو لحزب الله عن المنطقة. وبهذا تصبح السويداء منطقة عازلة بالنار، لا تحتاج إلى احتلال مباشر، بل إلى هندسة فوضى دائمة.
أما لبنان، فهو ليس بعيداً عن هذه الموجة. ليس فقط لأن العشائر موجودة على طرفيه، بل لأن منطق “الأمن الذاتي” بدأ يتسلل مجدداً إلى الخطاب اللبناني، خصوصاً مع الانهيار المستمر في مؤسسات الدولة وعودة الميليشياوية المقنّعة إلى الواجهة. السيناريو السوري، خصوصاً في الجنوب، يُغري بعض القوى اللبنانية المتأهبة للعب أدوار أمنية أو مناطقية بديلة عن الدولة. وإذا كانت السويداء قد اشتعلت بمشكلة خطف فردي، فإن لبنان لديه ما يكفي من الأزمات القابلة للاشتعال.
الأخطر أن الانقسام السياسي في لبنان تجاه ما يحدث في سوريا، وتحديداً في الجنوب السوري، سيزداد عمقاً. فالفريق المؤيد لمحور المقاومة سيتهم إسرائيل بالتحريض، بينما سيعتبر الفريق الآخر أن ما حدث انتفاضة أهلية ضد منظومة أمنية وسياسية فاسدة. هذا الانقسام لن يبقى على الورق، بل سيترجم في التقديرات الأمنية والاصطفافات الإعلامية، وربما في خطاب الميدان أيضاً.
السويداء لم تكن يوماً على هذا القدر من الهشاشة، لكنها أيضاً لم تكن يوماً بهذه الرمزية الخطرة. إنها تختصر سوريا المتروكة لمصيرها، وسوريا التي أصبحت ساحة لكل من يريد أن يجرب أدوات النفوذ الجديدة. لبنان عليه أن يقرأ المشهد جيداً، لا ليتدخل، بل ليتّعظ. لأن العتمة التي نراها هناك… ما هي إلا ظلٌّ ممتد لليل اللبناني الطويل.
وفي سياق متصل، لا يمكن تجاهل التساؤلات التي تطرحها الأحداث الأخيرة حول مبدأ تسليم السلاح، إذ تكررت مشاهد القتل والملاحقة بعد دعوات رسمية لتسليمه، كما حصل في صحنايا والسويداء. وهنا يبرز سؤال مشروع: هل يمكن أن نشهد في مرحلة لاحقة مشهدًا مشابهًا داخل البيئة الشيعية، إذا ما طُلب منها الأمر نفسه؟ أم أن المعايير ستبقى خاضعة للاعتبارات السياسية والاصطفافات الإقليمية؟ تساؤلات تبقى معلقة في ظل غياب دولة واحدة بقانون واحد وسلاح واحد.


