
جوزف عون في قبرص… حدود تُرسَم وأخرى تُحرَّر بقلم وفاء فواز
جوزف عون في قبرص… حدود تُرسَم وأخرى تُحرَّر
زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزف عون إلى قبرص لا يمكن عزلها عن السياق الأوسع لتحركات الدولة اللبنانية الهادفة إلى تثبيت السيادة وحماية الحقوق الوطنية، في زمن تكاد فيه الجغرافيا تُكتب من جديد بقوة الغاز والنفوذ. فحين يجلس رئيس لبناني مع نظيره القبرصي لبحث ترسيم الحدود البحرية، فإن ما يجري ليس فقط اتفاقاً تقنياً بين دولتين، بل هو خطوة سياسية تحمل في عمقها رسالة سيادية إلى الداخل والخارج. جوزف عون، الذي تسلم زمام الحكم في مرحلة حساسة إقليمياً ودولياً، يسير على خطى من فتحوا ملف الترسيم الجنوبي مع إسرائيل، ليكمل الصورة شرقاً باتجاه قبرص، مؤكداً أن لبنان دولة تُحسِن التفاوض متى وجدت شريكاً يحترم القانون الدولي، كما تُحسِن المقاومة حين تفرض الوقائع ذلك. وما يربط زيارة قبرص بمزارع شبعا ليس الموقع بل الموقف. فكما يسعى لبنان لترسيم حدوده بحراً مع دولة صديقة مثل قبرص، يؤكد أيضاً أن التمسك بلبنانية شبعا هو حق لا يسقط بالتقادم ولا بالاحتلال. وما ترسيم البحر إلا وجهٌ من وجوه تحرير الأرض، وما التفاهم مع قبرص إلا تأكيد على أن احترام الجوار يمر عبر احترام السيادة، لا عبر فرض الأمر الواقع. في قبرص، يرسم لبنان حدوداً على الورق، وفي شبعا، يرسُمها بدماء مقاوميه ومواقفه الدبلوماسية. وبين الحدودين، قضية واحدة اسمها الكرامة الوطنية.
لكن الزيارة لم تقتصر على ترسيم الحدود فحسب، بل طرحت ملفات استراتيجية عميقة تُضاف إلى رصيد التنسيق بين بيروت ونيقوسيا. فقد ناقش الرئيس جوزف عون مع نظيره القبرصي ملفات الطاقة والكهرباء والاستثمار، واضعاً على الطاولة حاجة لبنان لدعم تقني ومالي في مجالات البنى التحتية والربط الكهربائي عبر البحر، وهي شراكة محتملة تعيد صياغة علاقة المتوسط بشرقه المأزوم. كما لم تغب ملفات الهجرة غير النظامية والتحديات الأمنية عن البحث، لا سيما في ظل تحوّل قبرص إلى بوابة أوروبية قريبة من السواحل اللبنانية، مما يجعل التنسيق الأمني ضرورة لا ترفاً. وتضمنت المحادثات إشارة واضحة من الجانب القبرصي إلى دعم لبنان في المحافل الأوروبية والدولية، وهو ما يعزز موقع بيروت على خارطة الاهتمام السياسي الأوروبي، ويُعيد وصل ما انقطع من علاقات الشراكة والانفتاح بعد سنوات من العزلة والانكفاء.
إذاً، زيارة جوزف عون ليست محطة بروتوكولية عابرة، بل خطوة عملية في مشروع استعادة التوازن الجيوسياسي للبنان، شرقاً وغرباً، بحدود مرسومة بالثقة، وحقوقٍ محفوفة بالإصرار. في قبرص، مدّ رئيس الجمهورية خريطة جديدة لعلاقات لبنان، حدودها ليست بحرية فقط، بل وطنية كاملة.
وفاء فواز
رئيسة التحرير



