
توم بارّاك في بيروت: الشطرنج الأميركي في وجه الطاولة اللبنانية بقلم رئيس التحرير وفاء فواز
قلق عميق، وارتباك داخلي، ومشاعر مختلطة من الترقّب والتوجّس، عمّت المشهد اللبناني
توم بارّاك في بيروت: الشطرنج الأميركي في وجه الطاولة اللبنانية بقلم رئيس التحرير وفاء فواز
قلق عميق، وارتباك داخلي، ومشاعر مختلطة من الترقّب والتوجّس، عمّت المشهد اللبناني قبيل وصول المبعوث الأميركي توم بارّاك إلى بيروت. الحضور لم يكن عابرًا، ولا في سياق زيارة دبلوماسية تقليدية، بل أتى في لحظة إقليمية حرجة، وعلى وقع تصاعد الحديث عن احتمالات التصعيد العسكري، وملامح تسويات كبرى تُرسم بخطوط خارجية. كثر هم من قرأوا مجيء بارّاك كمؤشّر إلى تبدّلٍ في الموقف الأميركي من لبنان، أو كمقدّمة لتحوّل ما في طبيعة العلاقة أو نمط الضغوط. الخشية كانت حاضرة، والآمال خافتة، والأنظار مشدودة نحو كل حرف قد يصدر عنه.
في هذا السياق جاء ظهوره الإعلامي عبر مقابلة مع ريكاردو كرم على شاشة LBCI، حاملاً معه خطابًا بدا متماسكًا، عقلانيًا، لكنه محمّل بإشارات لا تخلو من التحذير والعتب وحتى التهديد الضمني. كلمات بارّاك جاءت مدروسة، محمولة على نبرة ثابتة، لا تخلو من حزم، وفيها قدر من الصراحة التي لم تُخفِ خيبة واشنطن من أداء النخبة اللبنانية.
لبنان، كما وصفه بارّاك، يقف على مفترق طرق حاسم، وسط انهيار اقتصادي واجتماعي وسياسي غير مسبوق. ضرورة تشكيل حكومة ذات صدقية وإرادة تنفيذية، برأيه، لم تعد خيارًا بل شرطًا. الإصلاحات لم تعد فقط مطلبًا داخليًا، بل أضحت معيارًا لأي التزام دولي تجاه الدولة اللبنانية. المساعدات باتت مشروطة، والضغوط آخذة في التصاعد. لا دعم بلا مكافحة للفساد، ولا ثقة بلا قضاء مستقل، ولا أفق بلا استعادة الدولة لدورها الكامل.
في معرض حديثه عن السلاح خارج الدولة، أشار بارّاك بوضوح إلى ضرورة ضبط كل قوى الأمر الواقع، معتبرًا أن استمرار هذا الواقع يقوّض السيادة اللبنانية ويعرقل أي مسار استنهاض. الإشارة كانت واضحة وإن لم تُسمَّ صراحة.
العلاقة اللبنانية–السورية لم تغب عن المقابلة، بل حضرت من بوابة السيادة والاحترام المتبادل. بارّاك لم يُعارض أي انفتاح لبناني–سوري، لكنه شدد على أن التواصل يجب أن يتم من موقع استقلال لا تبعية، ومن منطق مصلحة لبنانية عليا لا تسويات ظرفية.
وفي معرض قراءته لتاريخ المنطقة، استحضر بارّاك اتفاقية سايكس–بيكو بوصفها أصل الخلل في بنية الدول القائمة، وسببًا في هشاشة الكيانات التي نشأت عن إرث استعماري ساهم في زرع الانقسامات وتعميق الولاءات الخارجية. لم تكن إشارته مجرد استذكار تاريخي، بل أقرب إلى دعوة ضمنية لإعادة النظر في العقد الوطني اللبناني، والبحث عن صيغة حكم جديدة قائمة على المواطنة، لا على توازن الطوائف.
وفي سياق المقارنة، توقف بارّاك عند الفارق بين أداء القادة اللبنانيين وطريقة إدارة الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي وصفه بالبراغماتي، المنفتح على إعادة إعمار سوريا، والساعي إلى إخراج بلاده من عزلتها الإقليمية والدولية، في مقابل طبقة سياسية لبنانية – كما قال – تعيش في دوامة مسرحيات سياسية متكررة، تفتقد إلى الجدية والقرار، وتراهن على الخارج أكثر من التزامها بإرادة الداخل.
وعلى الرغم من تماسك اللغة الدبلوماسية، إلا أن المقابلة لم تخلُ من لهجة إنذار صريحة. فبارّاك، بعبارته اللافتة: “أنا ألعب الشطرنج، أما القادة في لبنان فيلعبون الطاولة”، لم يكن يسرد مفارقة طريفة، بل كان يُجري تشريحًا عميقًا لغياب الرؤية الاستراتيجية لدى المسؤولين اللبنانيين. الشطرنج، هنا، هو تخطيط وتكتيك ومراحل دقيقة؛ بينما الطاولة هي رهان على الحظ وارتجال لا يصنع مسارًا.
أما حين وصف نفسه بـ”الدبلوماسي السيّئ لأن نفسه قصير”، فقد فتح نافذة على الجانب الأكثر خطورة في خطابه: فالرجل لا يُجيد الانتظار الطويل، ولا يُراكم المواقف من دون سقف. وهذا بحدّ ذاته تحذير ضمني من أن المهلة تقترب من نهايتها، وأن الصبر الدولي على المراوغة اللبنانية آخذ في النفاد.
ليست مقابلة بارّاك مجرد ظهور إعلامي لمسؤول أميركي، بل لحظة مفصلية تُضاف إلى المشهد اللبناني المضطرب. هي رسالة ناعمة الشكل، قاسية المضمون، تقول بوضوح: لم يعد من مجال للترف السياسي ولا للرهانات الداخلية الصغيرة. من أراد النجاة، فليقرأ جيدًا ما بين سطور هذا الحضور الأميركي المدروس.
وفاء فواز
رئيسة التحرير


