
كتب شفيق طاهر في صوت لبنان
كتب شفيق طاهر في صوت لبنان
بين كل كبح لفرامل الآليات المفاجئ وصرير الإطارات على الأسفلت، تتصاعد في هواء المدن آلاف الجسيمات الدقيقة التي لا ترى بالعين المجردة. هذه الجسيمات، الناتجة عن احتكاك المكابح وتآكل الإطارات وغبار الطريق، تشكل اليوم أحد أخطر مصادر التلوث في مدن العالم الثالث، ومع ذلك تبقى “غير مرئية” في السياسات العامة والوعي الجماعي.
في لبنان، كما في كثير من الدول النامية، لا يملك عمال الشوارع ترف الهروب من هذا الهواء المسموم، فهم يعيشون ويعملون في قلبه ساعات طويلة كل يوم، بين ازدحام خانق وبنية تحتية متداعية ومراقبة بيئية شبه غائبة.
الانبعاثات غير العادم الخطر المنسي
لم تعد عوادم السيارات هي المصدر الوحيد لتلوث الهواء الحضري. فالمكابح والإطارات تنتج، مع كل حركة احتكاك، غبارا دقيقا مكونا من معادن مثل النحاس والحديد والزنك، إضافة إلى جزيئات مطاطية وميكرو بلاستيكية. هذا المزيج الكيميائي يلتصق بسطح الطريق ثم يتطاير مجددا مع مرور المركبات، ليخلق حلقة تلوث مغلقة لا تتوقف.
تظهر دراسات حديثة أن الانبعاثات غير العادم تمثل اليوم ما بين 40 و60 في المئة من الجسيمات الدقيقة المرتبطة بالنقل البري في المدن المزدحمة. ومع تشديد القوانين الخاصة بعوادم المحركات، ازدادت النسبة النسبية لهذه الانبعاثات “المنسية”، حتى أصبحت في بعض المدن الأوروبية أعلى من انبعاثات العادم نفسه.
الجسيمات الصادرة من الكبح تختلف في طبيعتها عن تلك الناتجة من الاحتراق، إذ تحمل تركيزات معدنية مرتفعة قادرة على التفاعل داخل الجسم البشري، مما يجعلها أكثر سمية وأشد خطورة على المدى الطويل.
كيف يهاجم التلوث الجسيمات الدقيقة أجساد البشر؟
تتسلل الجسيمات الدقيقة، وخاصة تلك التي يقل قطرها عن 2.5 ميكرون، إلى أعماق الرئتين وتصل إلى الحويصلات الهوائية، ثم تنتقل إلى مجرى الدم. هناك تبدأ آثارها غير المرئية على القلب والأوعية الدموية والدماغ. أثبتت الأبحاث أن كل زيادة طفيفة في تركيز PM2.5 في الهواء ترتبط بارتفاع في معدلات الوفيات بأمراض القلب والسكتة الدماغية والسرطان.
أما الجسيمات المعدنية الناتجة من الكبح، فتمتاز بقدرتها على توليد “الإجهاد التأكسدي”، وهو اضطراب بيولوجي يؤدي إلى التهابات مزمنة وتلف في الخلايا. وقد أظهرت تجارب مخبرية أن الجسيمات النانوية من المكابح تسبب موتا لخلايا الجهاز التنفسي وتغير في وظيفة الحاجز الظهاري للرئة.
بعض الأبحاث أشارت أيضا إلى أن الجسيمات الدقيقة تحمل مركبات عضوية سامة، مثل الهيدروكربونات العطرية المتعددة الحلقات، المعروفة بخطورتها المسرطنة. وهكذا تتحول حركة المرور اليومية إلى مصدر متواصل لملوثات معقدة ومتعددة التأثيرات.
شرطة المرور في قلب الغبار
يقف عناصر شرطة المرور في الصفوف الأمامية لتلوث الشوارع، عند التقاطعات التي تشهد أعلى تراكيز للجسيمات الدقيقة. فهم يقضون ساعات طويلة في مواقع يغمرها دخان العادم وغبار المكابح، وغالبا دون معدات واقية. في بيروت، تظهر القياسات أن تركيز PM2.5 قرب إشارات السير يتجاوز المعدل العام للهواء في المدينة بثلاثة أضعاف خلال ساعات الذروة، ما يجعل أفراد الشرطة عرضة لمستويات مرتفعة من المعادن الدقيقة والغازات السامة.
كثير منهم يعانون من صداع مزمن وتهيج في العينين وصعوبة في التنفس، لكن هذه الأعراض تمر بصمت في ظل غياب الفحوصات الدورية أو برامج الوقاية المهنية. في بعض التقاطعات البيروتية مثل الكولا وسليم سلام ونهر الموت، يمكن رؤية شرطي السير واقفا لساعات في موجات الحر والغبار، بلا كمامة أو مظلة واقية، فيما يفترض أن يكون خط الدفاع الأول لتنظيم المرور، لا ضحية مباشرة له.
في عين العاصفة
تتضاعف خطورة التلوث على الفئات التي تعمل في الشوارع، من عمال النظافة وشرطة المرور إلى سائقي الدراجات النارية وموزعي الطلبات. هؤلاء يعيشون يوميا داخل سحب من الغبار والغازات، يتنفسونها لساعات طويلة دون حماية حقيقية. ومع الجهد البدني الذي يتطلبه عملهم، يزداد معدل تنفسهم، وبالتالي كمية الملوثات التي تدخل إلى أجسامهم.
في المدن ذات البنية التحتية الضعيفة، يغيب عن هؤلاء العمال التدريب على أساليب الوقاية أو حتى الكمامات المخصصة للتصفية. بعض الدراسات في مدن إفريقية وآسيوية أظهرت أن تركيز الجسيمات الدقيقة في مواقع عمل شرطة المرور وعمال الكنس قد يصل إلى ثلاثة أضعاف الحدود القصوى الموصى بها. النتيجة هي أمراض تنفسية مزمنة وأعراض مستمرة من السعال والاحتقان وضيق التنفس، تتحول مع الوقت إلى عبء صحي واجتماعي ثقيل.
تقدر منظمة العمل الدولية أن تلوث الهواء في أماكن العمل مسؤول عن نحو 860 ألف وفاة مهنية سنويا، وهو ما يجعل الهواء الملوث “القاتل الأكبر” بين المخاطر البيئية التي تواجه العمال في الهواء الطلق.
لبنان مدينة تختنق تحت الغبار
في لبنان، تتجسد كل هذه الظواهر في مشهد حضري مأزوم. بيروت مثلا تسجل متوسطا سنويا لتركيز الجسيمات الدقيقة يفوق 17 ميكروغرام في المتر المكعب، أي أكثر من ثلاثة أضعاف الحد المسموح به عالميا. وتظهر الدراسات أن التلوث في الأنفاق الحضرية، مثل نفق سليم سلام، يتألف من مزيج كثيف من معادن الكبح والكربون الأسود الناتج من المحركات والمولدات.
يعاني لبنان من مشكلة مركبة؛ فضعف النقل العام يجبر مئات الآلاف على استخدام السيارات الخاصة، بينما يؤدي تدهور صيانة الطرق إلى زيادة تطاير الغبار. ومع انقطاع الكهرباء المستمر وتشغيل آلاف المولدات التي تعمل بالديزل في الأحياء، يتضاعف الحمل الملوث. كل ذلك يجعل عمال الشوارع عرضة لجرعة يومية من الهواء السام دون أي مراقبة أو نظام حماية مهني فعال.
بين السياسات الغائبة والحلول الممكنة
مواجهة هذا النوع من التلوث لا تحتاج إلى حلول خيالية، بل إلى إرادة مؤسسية ورقابة بيئية حقيقية. تبدأ الخطوات البسيطة من اعتماد برامج صيانة دورية للطرق والحد من إعادة تطاير الغبار، مرورا باستخدام مكابح وإطارات منخفضة الانبعاث في المركبات العامة، وصولا إلى فرض معايير بيئية في المناقصات البلدية.
كما يمكن تطبيق برامج كنس وغسل رطب للشوارع في المناطق الأكثر ازدحاما، لأن الغسل المنتظم يخفض كتلة الغبار القابل للاستنشاق بنسبة تصل إلى 70 في المئة وفق دراسات أوروبية حديثة. أما في المدى المتوسط، فيتوجب إدخال معدات وقاية شخصية فعالة للعاملين في الشوارع، مثل كمامات N95، وتنظيم جداول العمل لتجنب ساعات الذروة وتراكم الملوثات في أوقات الازدحام.
الأهم هو إدراج هؤلاء العمال ضمن برامج الرعاية الصحية المهنية، بما يشمل فحوصا دورية للرئة، وتحاليل للمعادن الثقيلة، وتأمين علاج مجاني للمصابين بأمراض ناتجة عن التعرض المزمن. وفي الموازاة، يجب أن تطلق البلديات حملات توعية عامة حول خطورة الانبعاثات غير العادم، وتوفر محطات مراقبة للهواء في التقاطعات المزدحمة تنشر بياناتها بشفافية.
نحو عدالة بيئية في المدن
لبنان وسائر دول العالم الثالث بحاجة إلى رؤية جديدة للعدالة البيئية، تنطلق من مبدأ أن العمل في الشارع لا يجب أن يكون حكما بالإصابة أو المرض. فتنقية الهواء ليست رفاهية بيئية، بل ضرورة اجتماعية وصحية لحماية من يقفون في الخطوط الأمامية للحياة الحضرية.
إن “غبار المكابح الصامت” الذي يملأ هواء مدننا هو تذكير بأن التلوث لا يحتاج إلى دخان أسود كي يكون قاتلا. خلف المشهد اليومي للمرور وضجيج الشوارع تختبئ جزيئات صغيرة تلحق أذى كبيرا. إن مواجهة هذا الخطر تبدأ بالاعتراف بوجوده.
فحين نوفر لعامل النظافة أو لشرطي المرور أو سائق الدراجة هواء نقيا كما نوفره لمكاتبنا ومنازلنا، نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو مدينة أكثر عدلا وصحة وإنسانية.



